قطب الدين الراوندي

54

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

للاحسان إليهم والانعام عليهم عاجلا وآجلا ، وقد دعاه داعى الحكمة إلى خلقهم . وانما أنشأ في وقت دون وقت وعلى صورة دون صورة ، لكونه عالما بهم وبمصالحهم وألطافهم ، فعل ما فعل على وجه الأصلح والألطف لدينهم ، بأن خلق شيئا في حالة ولم يخلقه قبلها ولا بعدها ، أو ركب في صورة مختلفة الأعضاء علوم العقل أو شهوات مخصوصة ولم يخلقها في هيئة أخرى ، فان جميع ذلك لغرض صحيح ، إذ هو علام الغيوب . ويظهر كونه مصلحة للعقلاء إذا فكروا في صنائعه من هذه السماوات والأرضين من هذه الأشباح ذوات القرائن والأحناء والغرائز [ والاحاء ] ( 1 ) . فان قيل : ما أول ما أنشأه اللَّه أولا . قلنا : لا يفعل اللَّه تعالى إلا ما يقتضيه الحكمة ، وإذا ابتدأ اللَّه تعالى بخلق عاقل وكلفه لم يكن ذلك عبثا وكان فعلا حسنا فيه غرض المثل . ولا يستبعد أن يعلم اللَّه من بعض المكلفين أنه متى كان أول خلقه جمادا فإذا أحياه وأقدره ومكنه كان في اعلامه أن مبدأه كان ماء أو نارا أو ترابا ، فيكون ذلك لطفا له . فعلى هذا لا يكون خلقه جمادا أول مرة عبثا . فان قيل : لم يفي عنه تعالى العزم ، وهو إرادة مخصوصة ، وان استحال عليه التجربة والتحرك ومعرفة شيء على سبيل الروية . قلنا : العزم أولا لا يجوز على اللَّه ، لان الواحد منا انما يعزم على شيء في وقت متراخ عنه ليطمئن على ذلك الفعل قلبه وتقوى ( 2 ) دواعيه عليه ( 3 ) وليسر بذلك نفسه ، واللَّه تعالى متعال عن ذلك . والإرادة التي تؤثر في وقوع الفعل على وجه

--> ( 1 ) ليس في ص وكذا في د . ( 2 ) في ص : يتقوى . ( 3 ) في د : اليد .